ابن الجوزي

48

صفة الصفوة

قال : ثم قالت : ومن شعوانة ؟ وما شعوانة ؟ أمة سوداء عاصية . قال : ثم أخذت في البكاء فلم تزل تبكي حتى خرجنا وتركناها . يحيى بن بسطام قال : كنت أشهد مجلس شعوانة كثيرا فكنت أرى ما تصنع بنفسها ، فقلت لصاحب لي يقال له عمران بن مسلم : لو أتيناها إذا خلت . قال : فانطلقنا أنا وهو إلى الأبلّة فاستأذنّا عليها فأذنت لنا فإذا منزل رثّ الهيئة أثر الجدب عليه بيّن . فقال لها صاحبي : لو رفقت بنفسك فقصرت عن هذا البكاء شيئا كان أقوى لك على ما تريدين . قال : فبكت ثم قالت : واللّه لوددت أني أبكي حتى تنفد دموعي ، ثم أبكي الدماء حتى لا تبقى في جسدي جارحة فيها قطرة من دم ، وأنّى لي البكاء ؟ قال : فلم تزل تردّد ذلك حتى انقلبت حدقتاها ، ثم مالت ساقطة مغشيّا عليها . فقمنا فخرجنا وتركناها على تلك الحال . روح بن سلمة قال : قال لي مضر : ما رأيت أحدا أقوى على كثرة البكاء من شعوانة ، ولا سمعت صوتا قطّ أحرق لقلوب الخائفين من صوتها إذا هي نشجت ثم نادت : يا موتى وبني الموتى وإخوة الموتى . قال محمد : وقلت لأبي عمر الضرير : أتيت شعوانة ؟ قال : قد شهدت مجلسها مرارا ما كنت أفهم ما تقول من كثرة بكائها . قلت : فهل تحفظ من كلامها شيئا ؟ قال : ما حفظت من كلامها شيئا أذكره الساعة إلّا شيئا واحدا ، قلت وما هو ؟ قال : سمعتها تقول : من استطاع منكم أن يبكي فليبك وإلّا فليرحم الباكي فإنّ الباكي إنما يبكي لمعرفته بما أتى إلى نفسه . عن الحارث بن المغيرة قال : كانت شعوانة تنوح بهذين البيتين : يؤمّل دنيا لتبقى له * فوافى المنيّة قبل الأمل حثيثا يروّي أصول الفسيل « 1 » * فعاش الفسيل ومات الرجل الحسن بن يحيى قال : كانت شعوانة تردّد هذا البيت فتبكي وتبكي النّسّاك معها ، تقول :

--> ( 1 ) الفسيل مفرده الفسيلة ، وهي كل عود يقطع من شجرته فيغرس .